ساعاتٌ قليلة تفصل لبنان عن بدء العمل بالتوقيت الصيفي منتصف ليل اليوم السبت – غداً الأحد، بموجب مذكرة صادرة عن مجلس الوزراء، عملاً بالقرار رقم 5 بتاريخ 20/8/1998. ومع اقتراب العمل بالتوقيت الجديد، يكثر البحث على الشبكة العنكبوتية عن الدراسات والأبحاث التي تتناول تأثير هذا التوقيت على الصحة وانتظام الساعة البيولوجية والتركيز الذهني، وعن النصائح التي يقدّمها خبراء النوم للتأقلم مع الوضع الجديد الناجم عن التقلبات الجسدية والنفسية المصاحبة للنقلة "المباغتة" من توقيتٍ إلى آخر.
وبالعودة إلى جذور الفكرة التي تحوّلت إلى
نظامٍ تعمل وفقه دول عديدة، فإن الأميركي بنجامين فرانكلين كان السباق إلى طرح
فكرة تغيير التوقيت عام 1784، إلا أنها قوبلت بالتهكم. ونشر الأخير خلال فترة عمله
كمبعوثٍ أميركيّ في فرنسا رسالة باسمٍ مجهولٍ تقترح أن يقتصد الباريسيُّون في استخدام
الشموع بالاستيقاظ المبكّر للاستفادة من ضوء شمس الصباح. وقد اقتُرِحَت على إثر هذا
التهكّم حلولٌ عدّة لتلك المشكلة، منها سنّ ضرائب على إقفال النوافذ لمنع دخول ضوء
الشمس، وتقنين استخدام الشموع وإطلاق المدافع عند الشروق.
غير أن أوّل من تقدّم بفكرة التوقيت الصيفي بشكله
الحديث هو عالم الحشرات النيوزلندي جورج فيرمون هودسون، الذي منحه عمله متعدّد الورديَات
أوقات فراغٍ لجمع الحشرات، وجعله يُقدِّر ساعات ضوء النهار. عام 1895، قدّم هودسون
ورقة إلى جمعية الفلسفة في ولينغتون لاستغلال ساعتين من وقت النهار، وقد لاقت الورقة
اهتماماً معتبراً في مدينة كرايستشرش بنيوزلندا.
أما التطبيق الفعلي لفكرة التوقيت الصيفي،
فجرى للمرة الأولى أثناء الحرب العالمية الأولى، حيث أجبرت الظّروف البلدان المتقاتلة
على وجود وسائل جديدةٍ للحفاظ على الطاقة، فكانت ألمانيا أول بلدٍ أعلن التوقيت الصيفي
في 6 نيسان/أبريل 1916، بهدف حفظ الفحم وتفادي
أزمة الطاقة، وتبعتها بريطانيا بعد فترة قصيرة، وفي السنة التالية حذت روسيا
حذوهما روسيا إلى جانب عدد قليل من الدول، ثم تبنّت الولايات المتحدة التوقيت الصيفي
عام 1918.
حتى نهاية القرن العشرين، كان معظم الدول العربية
يعتمد نظام التوقيت الصيفي، غير أن قليلاً من هذه الدول أبقى حتى اليوم على هذا
النظام بعد العدول إلى التوقيت الدائم، كما هو الحال في لبنان، سوريا، المغرب،
فلسطين، والأردن.
أما الآثار المترتبة على اعتماد التوقيت
الصيفي، لا سيما على الصعيد الصحي، فهي ما زالت موضع جدلٍ، غير أن الواقع يثبت
تأثر نشاط الإنسان بهذا التوقيت مع حدوث اضطرابات النوم واليقظة وتسجيل حالات
الاكتئاب والاضطراب النفسي والموسمي والتشتت الذهني، لا سيما خلال الأسابيع الأولى
من العدول عن التوقيت الشتوي، إضافة إلى الأمراض الناجمة عن التعرّض المكثف لأشعة
الشمس خلال ساعات النهار الطويل.
ولكن سرعان ما تدور عجلة الأيام، لنجد أنفسنا
قد نسينا التوقيت الجديد وبتنا ننعمُ بأيام أطول تتحوّل إلى مساحة حيوية تعج
بالعمل والنشاط الاجتماعي ويتخللها فسحات من الترفيه.
وإن كان يبدو صعباً التأقلم سريعاً مع التوقيت الصيفي الجديد خلال الأسابيع
الأولى، فإن خبراء النوم ينصحون بالاستيقاظ
قبل خمس دقائق أو عشر دقائق كل يومين أو ثلاثة أيام، مع تخصيص فسحة لأداء التمارين
الرياضية صباحاً، إضافة إلى عدم الإكثار من تناول المشروبات الغنية بالكافيين خلال
اليوم.
ويبقى التأقلم مع التوقيت الجديد رهينة جهود فردية يبذلها كل منا على طريقته
لإعادة تنظيم روتينه اليومي، بما يتلاءم مع أداء الأدوار والمهام المختلفة في الحياة.
ويبقى الوقت، مهما تقدمت عقارب الساعة أو تأخرت، سيفاً ذا حديّن، أما عجلة الحياة ففي
دورانٍ مستمر، شئنا أم أبينا..

