هذا ما شاهدته في القلمون ...
تاريخ النشر 15:58 29-06-2019 الكاتب: عامر أبو فراج المصدر: عامر أبو فراج البلد: سوريا
2587

من مدينة الياسمين انطلقنا، وكانت وجهتنا منطقة القلمون الشرقي بريف دمشق، على ذاك الطريق المتعرج، حيث عبق شهادة من افتدى أرضاً بدمه ليحيا شعب بأكمله... هناك وأنت تعبر وتشق طريقك بين سلاسل الجبال التي تكحلت رؤوسها بخيوط شمس ذهبية، انعكس ظلها أمناً وأماناً على أرض حرب تداخلت تضاريسها وشكلت التحاماً جغرافياً سورياً لبنانياً، امتد على مسافة 110 كيلومترات، هي طول الحدود القلمونية المشتركة بين البلدين... أرض حرب كان العبور بها حتى الأمس القريب ضرباً من الخيال، نقول ذلك ونحن من عاصر معارك القلمون بأدق تفاصيلها ولحظة بلحظة...

إلا أن هذا الخيال المستحيل أصبح ممكناً، بعدما عادت قرى وبلدات القلمون إلى السيادة السورية الشرعية، منذ سنوات قليلة، لتعيد معها فرحة أم ثكلى عادت لتجد فقيدها بعد طول انتظار، ولو أن هذه الفرحة بقيت حتى اليوم غصّة بقلوب الكثيرين من السوريين الذين اضطرتهم ظروف الحرب - لا نقول للنزوح - ليهجروا منازلهم وأرضهم التي ترعرعوا بها لعقود من الزمن مضت، مجبرين - مسيّرين لا مخيّرين - حيث كان التكفير هو اللغة الحاكمة، وكان التهجير هو الأداة الممنهجة لإفراغ المنطقة من سكانها الآمنين، وإحلال ذلك الجسد الإرهابي مكانه، ليشكل سرطاناً يفصل بين سوريا ولبنان على طول الحدود القلمونية، ويمتد انطلاقاً منها إلى داخل الأراضي اللبنانية، فكان الجيش السوري والمقاومة الإسلامية حاضرين في كل ساح... يعدون عدتهم، ويخططون، وينفذون معاركاً، لا بد أن تدرس في أكبر جامعات ومدارس العلوم العسكرية في العالم...

لا نبالغ القول في ذلك ومن يقرأ هذه السطور، ويعلم جغرافية المنطقة، يعي تماماً ما أقوله، فإذا تحقق الانتصار، وانتصرت إرادة المقاومين، وإرادة شعب أخذ يعد عدته للعودة إلى بلاده بعد سنوات من التهجير في لبنان بحكم التواصل الجغرافي، مهمتنا كانت اللقاء بهذه الأسر التي أضنتها سنوات الحرب، وما إن وصلنا إلى القلمون، حتى خرجوا يأهلون ويسهلون، يحملون ما لذ وطاب من الفاكهة القلمونية التي بقوا محرومين منها لسنوات... دخلت إلى بعض منازل المهجرين السوريين العائدين إلى قراهم للتو، فكانت الدموع هي الحاضرة في أغلب جلساتنا... دموع اختلطت فيها فرحة العودة بألم الذكريات القاسية التي بدأ يستذكرها الأهالي في حديثهم لي...

كثيرون قالوا وباللهجة العامية "دخيل تراب الشام وتراب سورية يا ابني"، "بدنا نموت هون ألف مرة ولا نموت مرة خارج بلدنا"، وقد روى لي أحد الشبان كيف كانت تتم المتاجرة بهم وبوجودهم وكيف كانوا يخضعون مرة للابتزاز ومرات كثيرة للاستثمار السياسي، من قبل بعض القوى والتيارات السياسية التي لم تكترث يوماً أن يعود هؤلاء إلى وطنهم الذي هجروا منه، بقدر ما كان هاجسهم الوحيد، أن يحققوا مكاسبهم الخاصة، من خلال بازاراتهم السياسية واللَا إنسانية، فلم تكن إلا المقاومة حاضرة، لتدعم وتسهل طريق عودتهم، عبر مكاتبها وبالتنسيق مع الأمن العام اللبناني والدولة السورية، ولطالما أتحدث عن جهود المقاومة على هذا الصعيد استذكر ما قالته لي إحدى السيدات: "الله يخليلنا السيد (حسن نصرالله) ولا يحرمنا منو"، "الله يخليلنا المقاومة يلي سهلت رجعتنا يا أمي"، "لولاهن كنا تبهدلنا أكتر"، قصٌوا علي الكثير من تجاربهم المليئة بأوجاع الاغتراب، التي تبدأ وتكاد لا تنتهي، رافقت همومهم وأحلامهم، من أحلام العامل السوري الذي زرته في ورشته إلى الفلاح السوري الذي رافقته إلى أرضه يقود سيارته الزراعية... أرضه التي عاد يزرعها ويقطف ثمارها بيد ويرعى بيده الأخرى ماشيته التي أعادها معه من لبنان، فقد عاد كل شيء كما كان قبل الحرب، وهو الذي قال: "أنا كنت ميت ... وهلق عشت يا عمي".

القلمون هو نهاية حرب وعودة إنسان، إنسان تصدح حنجرته بأعلى صوت تقول: إلى كل السوريين في الخارج , أرجوكم عودوا...

أما نحن نقول وأوجه الكلام لمن يرفض العودة، وما زال غير مقتنع بها، وليس لمن يعيق هذه العودة، فهذا بحث آخر، أقول:

لو تفكرت قليلاً، بأنك كنت ضحية حرب ممنهجة هدفت إلى نفيك خارج الحدود تنفيذاً لإحدى أهم الأهداف التي رسمت في الحرب على سوريا، وهنا لا أبحث في الأهداف السياسية أو العسكرية وغيرها، و إنما أتحدث باستهداف وجودي بكل ما للكلمة من معنى، وهو ما أكد عليه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، هو استهداف للوجود، للقيم، للهوية، للأصالة السورية بكل أبعادها وتنوعها، لو تفكرت أيها السوري قليلاً بهذا، لما كنت بقيت ساعة واحدة خارج وطنك، استيقظ، وليعد كل فلاح منكم إلى أرضه، وكل عامل إلى مصنعه، وكل أب وأم إلى أسرتهما، فوحدتكم وإعادة تماسككم هي سلاحكم الوحيد، وتشبثكم بأرضكم وتسامحكم ومحبتكم تجاه بعضكم البعض، هي التي ستكتب الفصل الأخير من فصول أقذر حرب شنت على دولة في التاريخ الحديث، وأنتم أبناء هذه الأرض، فتحملوا مسؤولياتكم على أكمل وجه، وتذكروا جيداً، أن الوطن ليس بفندق نغادره عندما تسوء خدماته، فهو انتمائكم، وماضيكم، وحاضركم، وحاضركم، ومستقبلكم.

*عامر أبو فراج ~ رأي

*إعلامي سوري مقيم في دمشق

 
  • صندوق البريد : 197/25 لبنان - بيروت
  • فاكس الإدارة العامة : 544110-1-961+
  • عبر الهاتف: 543555-1-961+
  • فاكس البرامج العامة: 270038-1-961+
  • فاكس الأخبار: 270042-1-961+
المزيد
  • حمص - FM 92.3 Mhz
  • طرطوس - FM 92.3 Mhz
  • حلب وريفها - FM 98.7 Mhz
  • دمشق وريفها - FM 91.3 Mhz / FM 91.5 Mhz
  • البقاع - FM 91.9 Mhz / FM 92.3 Mhz
  • الجنوب - FM 91.7 Mhz / FM 92.3 Mhz
  • الشمال - FM 91.9 Mhz / FM 92.3 Mhz
  • بيروت وجبل لبنان - FM 91.9 Mhz / FM 91.7 Mhz
المزيد