الإرهاب الاقتصادي... الوجه الآخر للحرب على سوريا
تاريخ النشر 17:39 07-07-2019 الكاتب: عامر أبو فراج المصدر: عامر أبو فراج البلد: سوريا
3385

بات القاصي والداني يعلم أن ما سمي يوما بالثورة السورية لم يكن إلا مشروعاً ومؤامرة كبرى تحت ذريعة حضارة وحرية رفعت شعارات مزيفة ومضلِّلة للوصول إلى أهداف مشغليها الرئيسيين في تقسيم سوريا وضرب محور المقاومة، أو "عامود خيمة المقاومة" كما وصفها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وكان لا بد أن تكون إحدى أدوات المشروع، هي أداة الإرهاب الاقتصادي الذي قادته دول محور العدوان على سوريا، فما هي أشهر قليلة على بداية الحرب، حتى أُعطي الأمر بقطع العلاقات الاقتصادية مع سوريا، وفرض العقوبات الاقتصادية القسرية الأحادية الجانب عليها، نقول أحادية الجانب لأنها خرقت كل المواثيق والأعراف الدولية ذات الصلة، وانتهكت حقوق دولة ذات سيادة، فكان حصار لقمة المواطن السوري قبل أي شي آخر.

وكان الحصار يشتد يوماً بعد آخر ليطال أدنى مقومات البقاء لدى شعب استفاق على مؤامرة اقتصادية ومعيشية بحقه، أخذت تفتك به مع كل إشراقة صباح، الأمر الذي انعكس على تراجع معدلات النمو، وارتفاع مستوى البطالة...وهنا، كان لابد للاقتصاد السوري أن يصمد مهما كلف الثمن، فأي حرب ومهما اختلفت أدواتها عسكرية كانت أم سياسية أم اقتصادية، فإن الهدف البعيد، هو الوصول لتدمير الدولة بكل مؤسساتها، وصولاً للهدف المنشود لها، بجعلها دولة مقسَّمة وتابعة، ولكن ما غفل عنه أعداء سوريا، هو جهلهم وعدم درايتهم الكافية بالركيزة الأساسية التي يقوم عليها هذا الاقتصاد، فالاقتصاد السوري هو اقتصاد منتج أولاً، ومتنوع ثانياً، والأهم من ذلك، أن اللَّبنة الاقتصادية السورية، هي لَبِنة صخرية تقوم على أساسات اقتصادية متينة، استطاعت الدولة السورية أن تجذِّرها أكثر على مدى عشرات السنين، من خلال تحالفاتها الاقتصادية مع أصدقاءها، وبشكل رئيسي مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وفي هذا الإطار تُروى حادثة تاريخية عن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، أنه أجاب سائليه عن سبب وقوف دمشق إلى جانب طهران، عندما شن العراق الحرب على إيران عام 1980 (حرب الخليج الأولى)، في الوقت الذي كان العالم بقوته العظمى ممثلا بالولايات المتحدة الأميركية، وحلفائها في الخليج، يقفون إلى جانب العراق، فأجاب حينها: ربما سيأتي اليوم الذي ستقف فيه إيران إلى جانبنا، عندما سيكون العالم كله ضدنا، وهذا ما حصل بالفعل بعد عقود من الزمن، أكاد لا أنسى يوماً هذه الحادثة، لا سيما وأنها تقاطعت مع ما رواه لي شخصياً السفير الإيراني في دمشق جواد ركن آبادي عن أن قرار الوقوف إلى جانب دمشق كان قد اتخذ منذ البداية من قبل أعلى القيادات الإيرانية وعلى رأسها الإمام السيد علي الخامنئي، فكان وقوف إيران إلى جانب سوريا في كل المجالات، ولأننا نتحدث هنا عن الإرهاب الاقتصادي الذي تعرضت وما زالت تتعرض له سوريا، ونبحث في أسباب الصمود، فلابد أن نسمي الأمور بمسمياتها ونشخص الواقع كما هو... بدءاً من الخطوط الائتمانية الإيرانية التي قدمت للحكومة السورية بمليارات الدولارات لدعم اقتصادها، وليس انتهاء بتقديم كل الاحتياجات والبضائع الاستعمالية والاستهلاكية، وهو ما قاله لي ونقله بكل أمانة أحد أبرز الاقتصاديين السوريين، ويشغل حالياً منصب معاون وزير في الحكومة السورية، نقل لي عن لسان مسؤول إيراني قوله حرفياً: تأكلون مما نأكل، وتشربون مما نشرب، وتلبسون مما نلبس.

الدعم اللامتناهي من طهران إلى دمشق، كان ركيزة أساسية لصمود الاقتصاد السوري، واستطاع أن يلبي حاجات المواطنين، للأسباب التي تحدثنا بها أعلاه، والدليل على ذلك، أنه أثناء سنوات الحرب وإلى هذا اليوم، لم تنقطع يوماً الرواتب عن الموظفين، حتى في أكثر المحافظات سخونة وحدَّةً في المعارك، كمحافظة الرقة مثلاً، أو دير الزور، وعادت اليوم عجلة الإنتاج للدوران مجدداً، في معظم المنشآت الصناعية، وأُعطي لكم مثالاً توضيحياً مدلَّلاً بالأرقام من محافظة حلب (عاصمة الاقتصاد السوري):

منذ أيام قليلة قمت بزيارة ميدانية إلى المدينة الصناعية بمنطقة الشيخ نجار في محافظة حلب , أكبر المدن الصناعية في البلاد قاطبة، هذه المدينة تقع شمالي حلب بـ15 كلم،  تمتد على مساحة تقدر بـ4412 هكتاراً، أي أكثر من 44000 دونم من الأراضي، كانت تنتشر عليها آلاف المعامل والمنشآت التي ترفد السوق السورية بكل ما تحتاجه من المستلزمات الهندسية والغذائية والصناعية والبرمجية، وغيرها، بل وتصدِّر إلى دول العالم.....

ولأنها كذلك، فقد كانت هدفاً رئيسياً للإرهابيين والمرتزقة خلال سنوات الحرب، الذين سهلت لهم تركيا طرق العبور، يستبيحون كل شيء أمامهم، فنهبوا المصانع، وأحرقوا المعامل، وسرقوا المعدَّات التي تقدر بملايين الدولارات، ولم يبقَ من المدينة الصناعية إلا بعض المنشآت المتواضعة المترامية الأطراف.

ما أصابني بالذهول، هو الصورة الجذرية التي أصبحت تبدو عليها هذه المدينة، فسبق لي زيارتها خلال سنوات الحرب، إلا أن المشهد اليوم بدا مختلفاً كلياً، فمن تحت الركام والأنقاض، عاد  665 معملاً للحياة، وأُعيد إيصال مياه الشرب، وتخديم المنطقة بالكهرباء، بعدما قام الإرهابيون سابقاً حتى باقتلاع و سرقة الكابلات من الأرض، وسحب الأسلاك من الجدران، وما عجزوا عن سرقته كانوا يدمرونه ليصبح عديم الجدوى، نرى اليوم كيف أُعيد ترميم جزء لا بأس به من المباني الصناعية، وعاد الإنتاج يدور كما السابق، ليرفد الصناعة السورية، ويدعِّم الاقتصاد الوطني، الذي لن يُسمَح له بالانهيار طالما هناك عمال استُشهِدوا خلف ماكيناتهم وارتوت الأرض بدمائهم، كما تحدث لي صاحب معمل (اغترت عيناه بالدمع) عندما قال إن "سوريا ما بتموت يا عمي".

أردت في تلك اللحظة أن يسمع هذه الكلمات كل من تآمر على سوريا وأراد إركاعها وإذلال شعبها، أردته أن يسمع ويرى بأم عينه صمود الاقتصاد السوري، بفضل سواعد هؤلاء الأبطال، الجنود المجهولون، الذين اسُتشهِد وجُرِحَ منهم المئات أثناء تأديتهم لواجبهم في خدمة وطنهم , فهم لا يختلفون بشيء عن الجندي السوري الذي يحمل بندقيته، فذاك يدافع عن سيادة أرض، وهذا يدافع عن لقمة مواطن، ولم يبقَ لهم جميعا، إلا أن يكملوا مسيرة مقاومتهم، ويخطُّوا الكلمات الأخيرة في قصيدة انتصارهم، مدموغةً بدماء الشهداء، وعرق جبين العمال على السواء.

فتذكروا دائماَ، أن المقاومة لم تكن يوماً من الأيام خياراً، بل كانت قدراً محتوماً، قالها سيد المقاومة، وفي كلامه فصل الخطاب.

*عامر أبو فراج ~ رأي

*إعلامي سوري مقيم في دمشق

 

 
  • صندوق البريد : 197/25 لبنان - بيروت
  • فاكس الإدارة العامة : 544110-1-961+
  • عبر الهاتف: 543555-1-961+
  • فاكس البرامج العامة: 270038-1-961+
  • فاكس الأخبار: 270042-1-961+
المزيد
  • حمص - FM 92.3 Mhz
  • طرطوس - FM 92.3 Mhz
  • حلب وريفها - FM 98.7 Mhz
  • دمشق وريفها - FM 91.3 Mhz / FM 91.5 Mhz
  • البقاع - FM 91.9 Mhz / FM 92.3 Mhz
  • الجنوب - FM 91.7 Mhz / FM 92.3 Mhz
  • الشمال - FM 91.9 Mhz / FM 92.3 Mhz
  • بيروت وجبل لبنان - FM 91.9 Mhz / FM 91.7 Mhz
المزيد